ابن ميثم البحراني
422
شرح نهج البلاغة
الرحمة والشفقّة كما قال تعالى « واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » ( 1 ) وقد بيّنا أنّ التواضع ملكة تحت فضيلة العفّة . الثاني : أمره بإلانة جانبه كناية عن الرفق في الأقوال والأفعال وعدم الغلظة عليهم والجفاوة في حقّهم في كلّ الأحوال . وهو قريب من التواضع ، ومن لوازمه . الثالث : أمره أن يبسط لهم وجهه وهو كناية عن لقائهم بالبشاشة والطلاقة من غير تقطيب وعبوس . وهو من لوازم التواضع أيضا . الرابع : أن يواسي بينهم في النظرة واللحظة وهى أخفّ من النظرة ، وهو كناية عن الاستقصاء في العدل بينهم في جليل الأمور وحقيرها وقليلها وكثيرها . وقوله : حتّى لا يطمع . إلى قوله : عليهم . بيان وجه الحكمة في أمره بالمساواة بينهم في اللحظة والنظرة على حقارتهما . فإن قلت : فلم خصّص العظماء بالطمع في الحيف والضعفاء باليأس من العدل . قلت : لأنّ العادة أنّ الولاة والأمراء إنّما يخصّصون بالنظرة والإقبال بالبشاشة الأغنياء والعظماء دون الضعفاء وذلك التخصيص مستلزم لطمعهم أن يحاف لهم ، والإعراض عن الضعفاء مستلزم لليأس من العدل في حقّهم . والضمير في قوله : عليهم . يرجع إلى العظماء . الثاني : الوعيد للعباد بسؤال اللَّه لهم عن صغير أعمالهم وكبيرها وظاهرها ومستورها ، والإعلام بأنّهم مظنّة عذابه لبدئهم بمعصيته والبادي أظلم . قال الراوندي - رحمه اللَّه - : المراد بأظلم الظالم . قلت : ويحتمل أن يكون قد سميّ ما يجازيهم به من العدل ظلما مجازا لمشابهة الظلم في الكميّة والصورة كما سميّ في القصاص اعتداء في قوله « فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ » ( 2 ) ثمّ نسب إليه فعلهم فصدق إذن أفعل التفضيل باعتبار كونهم بدؤا بالمعصية وكذلك الإعلام بأنّه تعالى مظنّة الكرم بالعفو عنهم .
--> ( 1 ) 15 - 88 . ( 2 ) 2 - 190 .